ثقافة
الشجرة المثمرة كرامة وسيادة وازدهار تراشق بالحجارة
جوزيفين حبشي
متنا وعشنا لنشهد رئيسا يستحق أن يُقال عنه: هذا رئيس لبنان.
رئيس لا يقيس الوطنية بعدد الخطب، بل بمقدار ما يحمي وطنه وشعبه. رئيس لا يبحث عن أمجاد شخصية، بل عن مستقبل وطن. رئيس يريد للبنان الحياة لا الموت، الازدهار لا الانهيار، الأمل لا اليأس، العمران لا الدمار، الدولة لا الدويلة، والسيادة لا الارتهان.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يشعر كثير من اللبنانيين أن في قصر بعبدا رجلا يتحدث باسم لبنان، لا باسم المحاور، ولا باسم المشاريع الإقليمية، ولا باسم الولاءات العابرة للحدود.
كيف يجرؤون على تخوينه؟
ومن الذي يملك حق منح صكوك الوطنية؟ الذين جعلوا لبنان ساحةً لحروب الآخرين؟ الذين قدّموا مصالح لبنان قرباناً، مرة باسم فلسطين حماس، ومرة باسم سوريا الاسد ، ومرة باسم ولاية الفقيه؟ الذين أوصلوا وطن الأرز إلى الانهيار، وجعلوا أبناءه بين مهاجر ونازح وعاطل عن العمل، ثم يرفعون اليوم إصبع الاتهام في وجه من يحاول انتشاله؟
أي منطق هذا؟
أما الحديث عن السلام، فليكن صريحاً وبعيداً عن المزايدات. نعم، إسرائيل عدو، ولا أحد يطلب من اللبنانيين أن ينسوا تاريخ الصراع أو آلامه، فهذه حقيقة لا يغيّرها أحد. لكن هل تُوقَّع معاهدات السلام مع الأصدقاء أم مع الأعداء؟ الغاية من السلام ليست محو الذاكرة، بل حماية المستقبل. ليست التنازل عن الكرامة، بل منع الحروب من سفك كرامة الارواح والذكريات . السلام ليس استسلاماً، بل قد يكون، عندما يصون السيادة والكرامة، الخيار الذي يحمي الأوطان ويمنع سقوط أجيال جديدة في دوامة الدم والخراب.
يكفي لبنان ما دفعه من أثمان. يكفي أن يكون اللبناني وقوداً لحروب لا يقررها ولا يجني منها إلا الفقر والدموع. لقد دفع لبنان أثماناً لا تُحتمل. آن لهذا الشعب أن يعيش، لا أن يُستنزف. آن لهذا الوطن أن يكون سيد نفسه، لا ورقة تفاوض في أيدي الآخرين.
فخامة الرئيس جوزف عون، مهما علت الأصوات النشاز، ومهما اشتدت حملات التخوين والتشويه، امضِ في طريقك مرفوع الرأس. فالتاريخ لا يكتبه أصحاب الشعارات، بل يكتبه الرجال عندما يضعون مصلحة أوطانهم فوق كل اعتبار.
إستمر… لأن لبنان يستحق دولة تحميه، لا دويلات تتقاسمه. يستحق جيشاً واحداً ، وقراراً واحداً ، ورايةً واحدة. يستحق أن يعود وطن الكرامة والحرية والاستقلال، وطن القانون والمؤسسات، وطن الازدهار والإبداع.
إستمر… فنحن نريد لبنان الذي عرفه العالم: لبنان المنارة، لبنان الثقافة، لبنان الفن، لبنان الرسالة، لبنان الذي يُصدِّر الفكر لا الأزمات، والأمل لا اليأس، والحياة لا الموت.
سيدي الرئيس، إستمر، فهناك ملايين اللبنانيين الذين تعبوا من الانقسام، ويحلمون فقط بوطن يشبههم… وطن يعيش من أجل أبنائه، لا يموت من أجل مشاريع الآخرين.
فخامة الرئيس ، يقال إن الأشجار المثمرة وحدها تُرشق بالحجارة… لأن الحجر لا يُرمى إلا نحو ما يحمل ثمراً. وأنت، سيدي الرئيس، تحمل على كاهلك وفي وجدانك ثماراً طال انتظارها: الكرامة، والسيادة، والأمل، واستعادة هيبة الدولة، وإعادة لبنان إلى أهله بعد أن أُخذ رهينةً لعقود.
الحجارة التي تُرمى نحوك ليست دليلًا على ضعفك، بل شهادةٌ على أنهم يخشون الثمار التي قد يثمرها عهدك.
إستمر ولا تعبأ بالحجارة التي يقذفك بها المنافقون هي دليل على أنهم يخشون ما يمكن أن تصنعه للبنان. يخشون أن ينهض وطنٌ اعتادوا أن يبقى منكسراً، وأن تقوم دولةٌ اعتادوا أن ينازعوها سلطتها، وأن يعود لبنان منارةً للحرية والثقافة والفن والازدهار، بعدما أرادوه ساحةً للحروب والخراب.
امضِ في طريقك سيدي الرئيس وكلنا معك . الأمهات اللواتي يردن أبناءً لا يهاجرون ولا يُساقون إلى المجهول، معك. الاباء الذين يحلمون بمستقبل لا يُصادره الانهيار، معك. الشباب الذين تعبوا من الانتظار على أبواب الفرص الضائعة، معك. من تبقى من الفنانين والمثقفين الحقيقيين الذين يؤمنون بأن لبنان ليس ساحة صراع بل مساحة إبداع، معك. سنابل القمح في سهل البقاع التي اشتاقت أن تميل مع الريح فقط ، معك، واشجار الزيتون التي تنتظر مواسم آمنة في تراب الجنوب ، معك. تفاح بشرّي وكرز زحلة واللوز الذي يرغب أن يضحك من جديد وشمس بعلبك وموج صور وارز الرب وصخرة كأنها وجه بحار قديم ، كلها كلها معك .
امضِ في طريقك سيدي الرئيس، فالأصوات النشاز قد تملأ الضجيج، لكنها لا تصنع التاريخ. أما الرجال الذين يضعون وطنهم فوق كل اعتبار، فهم الذين يكتب التاريخ أسماءهم بحروفٍ من كرامة.
