فن ومشاهير
“بعدك”… ما قبلها ليس كما بعدها
جوزيفين حبشي
هل يكفي الحب لإنقاذ الإنسان، وهل يكفي الفقد لإطفاء الحلم؟ هذا ما تضعنا أمامه مسرحية “بعدك”، من تأليف وإخراج رالف س. معتوق، وبطولته إلى جانب يمنى بو حنّا، على خشبة مسرح District 7 في بيروت.
هناك أعمال مسرحية تؤثّر فينا لأنها تلامس مشاعرنا، وأخرى تفعل ما هو أعمق من ذلك: تدفعنا إلى إعادة النظر في أشياء كنا نظن أننا نفهمها، قبل أن تتركنا أمام أسئلة لا نملك لها إجابات سهلة. هذا تحديدا ما فعلته بي”بعدك”.
للمرة الأولى، شعرت بأن رالف س معتوق يقترب من موضوع إنساني بهذه الدرجة من الصدق والواقعية. ففي أعماله السابقة، كان يميل أكثر إلى الاشتغال على فلسفة الأفكار والموضوعات المطروحة، أما هنا، فيبدو أكثر قرباً من الإنسان نفسه، بما يحمله من جروح خفية، وبما قد يعجز حتى أقرب الناس إليه عن اكتشافه. كأن الكتابة هذه المرة لا تنطلق من الرغبة في طرح فكرة وتأمّلها بقدر ما تنطلق من محاولة لفهم الإنسان حين يصبح ألمه أكبر من قدرته على احتماله.

تبدأ “بعدك” من تجربة أداء غنائي تخوضها يمنى، في محاولة لاستعادة علاقتها بالفن الذي أحبّته ثم تخلّت عنه. لكنها ليست عودة سهلة، فالتردّد يسكنها، فيما يشجّعها زوجها عاصي، الذي يؤدي دوره رالف معتوق، على استعادة حلمها. ومن هذه البداية، ينطلق النص في كشف طبقاته تدريجيا، لنكتشف تباعا قصة الزوجين وأوجاعهما، وما تركه الفقد في حياتهما، وصولا إلى حقائق تقلب فهمنا للأحداث والشخصيات.
من أبرز عناصر قوة المسرحية بناؤها الدرامي المحكم، وقدرة رالف على إدارة المفاجآت بذكاء. فالحكاية لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تجعلنا نعيد النظر في ما نظن أننا فهمناه. ومع كل تحوّل، تتغيّر دلالات المواقف، ويكتسب ما سبقها معنى مختلفاً . والأهم أن هذه المفاجآت ليست حيلاً درامية لمباغتة الجمهور فحسب، بل تخدم الحكاية وتكشف تدريجياً عمق جراح شخصياتها. إنها كتابة تعرف ماذا تقول، ومتى تقوله، وماذا تترك للمشاهد كي يكتشفه بنفسه.
أما الموضوع، بما يحمله من حب وفقد وموت، فيضعنا أمام حقيقة قاسية: ليس كل ألم مرئيا، وليس كل إنسان موجوع قادرا على التعبير عمّا يتحطّم في داخله. وقد لا يكون الحب، مهما كان صادقا وعميقا، كافيا وحده لإنقاذ شخص يخوض معركة داخلية لا نعرف عنها ما يكفي. نحن عادة نميل إلى الاعتقاد بأن الحب يحمينا من الانكسار، وأن الإنسان المحاط بالمحبة لا يمكن أن يبلغ تلك العتمة. لكن الحياة أكثر تعقيدا من هذه المعادلات المريحة. التجارب القاسية والخسارات قد تترك ندوبا عميقة، حتى عندما يبدو كل شيء من الخارج طبيعيا. وهنا تكمن قسوة الحكاية: في اكتشاف حدود معرفتنا بالآخر، حتى حين يكون أقرب الناس إلينا.
وتزداد أهمية هذه المقاربة مع استناد العمل، بحسب المعلومات المعلنة عنه، إلى بحث ومراجع وإحصاءات بالتعاون مع جمعية Embrace المتخصصة في الصحة النفسية. فالتعامل مع هذه القضايا مسؤولية تتطلب معرفة وحساسية، بعيدا من الأحكام الجاهزة والتفسيرات المبسّطة. وتكمن قيمة تناولها مسرحيا في تقريبها من التجربة الإنسانية، وتذكيرنا بأن الاهتمام بالصحة النفسية ينبغي ألا ينتظر وصول الإنسان إلى حافة الهاوية.
على مستوى الأداء، يقدّم رالف س. معتوق ويمنى بو حنّا ثنائية شديدة الصدق والإقناع. لا مبالغة في الانفعال، ولا استعراض للمشاعر، ولا محاولة لانتزاع التأثر من الجمهور بالقوة. كلاهما يدرك أن الألم لا يحتاج دائماً إلى الصراخ كي يكون مسموعاً، وأن الأداء الصادق لا يحتاج إلى المبالغة كي يصل إلى المتفرّج. وهذا ما يجعلنا نصدّق الشخصيتين، ونقترب منهما، ونتفاعل مع ما تمرّان به، من دون أن نشعر بأننا أمام مشاعر مصطنعة.
اللافت ايضاً أن يمنى بو حنّا لا تكتفي بالتعبير عن حكاية شخصيتها من خلال التمثيل، بل تمنح الغناء مكانة أساسية في رحلتها على الخشبة، مستندة إلى صوت جميل وحضور مؤثر. وتكتسب اغنيتها الختامية أهميتها من عودتها بنا إلى نقطة البداية: إلى يمنى التي كانت متردّدة في استعادة الفن الذي أحبّته. لكن ما كان في البداية حلماً تخشى العودة إليه يصبح في النهاية محاولة للتمسّك بالحياة رغم كل الانكسارات. فالأغنية لا تمحو المأساة، ولا تدّعي أن الألم انتهى. إنها إعلان عن رفض الاستسلام، وعن الإصرار على إبقاء نافذة مفتوحة أمام الحلم.
هنا، يتجاوز الغناء جمال الصوت والتأثير العاطفي، ليصبح جزءاً من المعنى الذي تريد المسرحية تركه فينا. فالحياة، مهما أثقلتها الخسارات، لا تكشف لنا كل أوراقها دفعة واحدة، وقد تخبّئ لنا مفاجآت لم نعد نتوقّعها، وأسبابا جديدة تدفعنا إلى الاستمرار. وفي هذا التناقض بين الانكسار والأمل، وبين ما فقدناه وما لا يزال ممكناً، تكمن أقوى معاني الإنسانية .
وما إن تنتهي المسرحية حتى تبدأ الأسئلة: كم مرة نظن أننا نعرف شخصا لأننا نحبّه؟ وكم مرة نخلط بين وجود الحب والقدرة على إنقاذ الآخر من ألمه؟ وهل نصغي فعلا إلى من حولنا، أم نكتفي بما يسمحون لنا برؤيته؟
لا تقدّم “بعدك” إجابات سهلة، ولا تختزل المأساة في تفسير واحد. وهذا مكسب في معالجة قضايا نفسية وإنسانية معقّدة لا تحتمل الأحكام السريعة، ولا يمكن اختصارها في أسباب وحلول واضحة دائما.
خرجت من المسرحية متأثرة، لا لأن الحكاية حزينة فحسب، بل لأن بناءها الدرامي جعلني أكتشف، في كل مرحلة، أن ما ظننته حقيقة كاملة لم يكن سوى جزء من الحقيقة. ولأن رالف معتوق نجح، هذه المرة تحديدا، في جعل الفكرة تنبض بالحياة والواقعية بدل أن تبقى في حدود التأمل الفلسفي.
في “بعدك”، يلتقي نصّ يعرف كيف يحتفظ بأسراره، وأداء صادق لا يحتاج إلى المبالغة، وصوت غنائي يمنح النهاية دلالتها الخاصة، وموضوع إنساني يذكّرنا بأننا لا نعرف دائما المعارك التي يخوضها من نحب.
ولعلّ أجمل ما تتركه المسرحية فينا هو أن الاستمرار لا يعني بالضرورة تجاوز الألم، وأن التمسّك بالحلم لا يعني أننا لم ننكسر. قد نحمل خساراتنا معنا ونمضي، لأن الحياة لا تزال قادرة على مفاجأتنا، ولأن ما انكسر فينا ليس بالضرورة كل ما تبقّى منا.
