Connect with us

فن ومشاهير

الدنيا تغيّرت والبساطة تصنع نجومية

Published

on

جوزيفين حبشي

الفن لا يحتاج الى الاعلان عن تأثيره. يكفي أن تتكرر بعض التفاصيل، وأن نرى بعد سنوات أفكاراً كانت تبدو مختلفة حين ظهرت للمرة الأولى، لنكتشف أن فناناً ما استطاع أن يفتح باباً لم ينتبه الجميع إلى أهميته في حينه.
اليوم مثلا، شاهدتُ كليب نانسي عجرم الجديد “اشهدي يا دني”، من إخراج إنجي جمال. استوقفتني بساطته ودفء عالمه: الحي، الجيران، الناس، الشارع، البحر ، الضحكات والرقص، والنجمة التي تبدو جزءاً من المكان لا ضيفة عليه.
وللحظة، عادت إليّ إليسا.
ليس لأن كليب نانسي نسخة من عمل سابق لاليسا،، ولا لأن التشابه في هذه التفاصيل يعني بالضرورة اقتباساً. لكن لأن إليسا كانت، في السنوات الأخيرة، من الفنانات اللواتي امتلكن شجاعة الذهاب في الاتجاه المعاكس لما اعتدناه طويلاً في كليبات النجوم.
لسنوات، كان كليب النجمة يعني، في كثير من الأحيان، القصور والفيلات والسيارات الفاخرة، الأزياء الراقية والهوت كوتور، الديكورات الضخمة والمؤثرات البصرية التي تؤكد صورة النجمة ورفاهيتها.
ثم جاءت إليسا في كليب “حبك متل بيروت” من اخراج ايلي فهد. وفجأة، لم تعد بحاجة إلى قصر كي تبدو نجمة. ذهبت إلى بيروت نفسها. إلى الشارع والحي والدكان والمخبز، إلى الوجوه العادية والتفاصيل الصغيرة، إلى الناس الذين يشكلون روح المدينة. جعلت من الجيران وأصحاب المهن والباعة جزءاً من الصورة، ومن بيروت الحقيقية بطلة للكليب. كانت تلك، بالنسبة إليّ، خطوة جريئة، فالنجمة هنا لم تعد تقول: “انظروا إلى عالمي”، بل بدت كأنها تقول: “تعالوا نرى العالم معاً”. ثم جاء كليب “لعبة الأيام” بإخراج نديم حبيقة، ليأخذنا مرة أخرى إلى الناس والجيران وحكاياتهم الصغيرة، وإلى الفرح الذي يمكن أن يولد وسط الحياة اليومية بكل ما فيها من تعب ومآسي. وهنا بدا أن البساطة لم تعد مجرد خيار بصري، بل أصبحت لغة لها جمالها وتأثيرها.

واليوم، في كليب “اشهدي يا دني” لانجي جمّال ، نرى نانسي عجرم في أجواء تحمل شيئاً من هذا الدفء نفسه: الحي، الجيران، الناس، الرقص والعفوية. وأنا لا أرى في ذلك سبباً للمقارنة بين فنانة وأخرى بقدر ما أراه دليلاً على أن الأفكار الجميلة حين تنجح، تترك أثراً.
ربما تكون هذه هي إحدى أهم ميزات الفنان الحقيقي: أن يجرؤ على فعل شيء مختلف، ثم يأتي آخرون، بعده، فيكتشفون أن الطريق الذي فتحه كان جميلاً ويستحق أن يُسلك.
إليسا ليست صاحبة الشارع أو الحي أو فكرة البساطة، فهذه العناصر موجودة في الفن منذ زمن طويل، وإنما هي اختارت في لحظة كان فيها الاستعراض هو القاعدة، أن تراهن على العفوية والناس والمكان الحقيقي، وأن تجعل من البساطة جمالاً ومن التفاصيل الصغيرة قيمة فنية.وهذا يحتاج إلى شجاعة.
اليوم ،جميل أن نرى “اشهدي يا دني” ضمن هذا المزاج المختلف، وأن نرى نانسي، بطريقتها الخاصة، تقترب من عالم أكثر دفئاً وإنسانية، بعيداً عن الحاجة الدائمة إلى المبالغة في إظهار النجومية.
واللافت أيضاً أن “الدني” نفسها تبدو حاضرة بقوة في الأغنية اللبنانية هذه الفترة. نانسي تقول: “اشهدي يا دني”،
ومروان خوري وماريلين نعمان يقولان: “يا دنيي نسينا”، وإليسا تقول في “لعبة الأيام” ، “بشويش علينا يا دنيا”.
ثلاثة تعبيرات مختلفة، لكن “الدني”واحدة. كأن الأغنية اللبنانية عادت تخاطب الدنيا مباشرة: تشكو إليها، تطلب منها، وتطلب منها أن تشهد. وربما أجمل ما في هذه المصادفة أن “الدني” في هذه الأعمال ليست فقط كلمة، بل عالم كامل: الناس، الحي، الجيران، الشارع، الحب، والذكريات.
من هنا أحببتُ أن أتوقف عند كليب نانسي اليوم، ليس لأقول إن أحداً يقلّد أحداً، بل لأقول إن الفن الجميل لا يعيش فقط في اللحظة التي يولد فيها.
أحياناً يولد كفكرة مختلفة، ثم يصبح مع الوقت لغة يتلقفها الآخرون ويطوّرونها بطريقتهم.وهذا ربما أجمل ما يمكن أن يحققه فنان:
أن يجرؤ على أن يفتح نافذة جديدة، ثم يرى آخرين يستمتعون بالهواء الذي دخل منها.
وإذا كانت القصور والبيوت الفاخرة والسيارات والازياء قد صنعت يوماً صورة النجمة في الكليب، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشارع أيضاً يستطيع أن يصنع نجومية… وربما يصنع معها شيئاً أكثر صدقاً: ذاكرة لها رائحة ومذاق يشبهاننا.

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

أغسطس 2026
ن ث أرب خ ج س د
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA