فن ومشاهير
لأن النجومية تُصنع بالأغاني، والأسطورة بالمحبة: هناك فنانون وهناك… إليسا.
جوزيفين حبشي
هناك فنانون… وهناك إليسا.
هناك نجاح… وهناك إليسا.
هناك مدن… وهناك بيروت.
هناك حفلات تُقام، وهناك حفلات تتحول إلى حدث. وهناك إليسا، التي لا تزال، بعد أكثر من ربع قرن، تكتب تعريفاً مختلفاً للنجومية، خصوصاً في مدينتها بيروت.
هكذا هي إليسا.
لا تصنع حفلات ناجحة فقط، بل تصنع ذاكرة جماعية. ولا تحقق أرقاماً فقط، بل تخلق مشاعر. ولا تكتفي باعتلاء المسرح، بل تملأه حضوراً ووهجاً وكاريزما يصعب تفسيرها.
لهذا، عندما نقول إن هناك فنانين وهناك إليسا، فهذه ليست عبارة إنشائية، بل حقيقة أثبتتها السنوات، وأكّدها جمهور لم يتخلَّ عنها يوماً، لأنها لم تتخلَّ عنه يوماً.
ليلة ختام “أعياد بيروت” لم تكن مجرد أمسية غنائية، بل كانت درساً جديداً في معنى النجومية الحقيقية. نجومية من تصنع التاريخ الغنائي، حفلةً بعد أخرى.
هي ليست مجرد نجمة ناجحة، بل حالة فنية استثنائية. مدرسة في الاستمرارية، وصاحبة رحلة كتبتها بالموهبة والإصرار، لا بالصدفة ولا بضجيج اللحظة.
فكلما ظنّ البعض أن الطريق أصبح أصعب، عادت إليسا لتثبت أن القمم لا يسكنها إلا أصحاب النفس الطويل. حوربت، وشُكِّك بها، وخاضت معارك كثيرة داخل الوسط وخارجه، لكنها في كل مرة خرجت أكثر قوة وتألقاً وحضوراً، وكأنها خُلقت لتنتصر وتحلّق.
لذلك، لم يكن حفل ختام “أعياد بيروت” مجرد محطة جديدة في مسيرتها، بل إعلاناً متجدداً بأن بعض النجوم لا يضعف بريقهم مع الوقت… لأنهم هم البريق نفسه.
منذ اللحظة الأولى، وقبل أن تغني، اختارت أن تقول ما يشبه بياناً فنياً في زمن الخراب:
“بدّنا دايماً نفرجي للعالم المقاومة الحقيقية يلي هي الفن والموسيقى والفرح والحب.”جملة واحدة اختصرت شخصية إليسا كلها. فهي لم تغنِّ يومًا للهروب من الواقع، بل لتمنح الناس سبباً يتمسكون من أجله بالحياة. ففي لعبة الأيام، مش فارقة النتيجة كام كام، المهم إن إحنا تمام كويسين وسلام، و”طب ادينا هدنة يا دنيا… ووراكي برضه يا دنيا، هنشوف آخرها يا دنيا”. وهذه، ربما، هي أسمى أشكال المقاومة.
هناك حفلات… وهناك حفلات إليسا.
حيث تتحول الأغنية إلى ذاكرة، والمسرح إلى مساحة حب، والجمهور إلى شريك كامل في صناعة المشهد.

أما حفل ختام “أعياد بيروت” فكان نسخة طبق الأصل عن صاحبته: دافئاً، صادقاً، لامعاً، ممتلئاً بالعاطفة، ومشحوناً بطاقة إيجابية اجتاحت المكان منذ اللحظة الأولى وحتى الأغنية الأخيرة. عيدٌ جعل آلاف الحاضرين يغنون بصوت واحد، حتى بدا أن إليسا لا تقدم حفلاً غنائياً، بل تقود أوركسترا من القلوب التي تحفظ أغانيها عن ظهر قلب… وأكثر منها، كما علّقت ضاحكة.
لم يكن غريباً أن تُباع البطاقات بالكامل، وأن يُرفع شعار Sold Out قبل أسابيع من موعد الحفل. ولم يكن أمام المنظمين سوى الاعتذار من وسائل الإعلام هذه المرة، بعدما وجد كل مقعد صاحبه. خسارة للإعلام حتماً، لكنها شهادة جديدة على أن شعبية إليسا لا تحتاج إلى حملات تسويق، فجمهورها هو أقوى دعاية يمكن أن يحلم بها أي فنان، وهو رأس مالها الحقيقي. جمهور جاء من لبنان، ومن مصر والعراق والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وفلسطين، ومن الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا. لم يجمعهم سوى اسم واحد… إليسا.

وفي حفلات إليسا، يصبح النظر رفاهية، والرؤية ضربة حظ. فلولا الشاشات العملاقة، لكان من شبه المستحيل أن ترى المسرح وسط أمواج بشرية لا تهدأ، ولا تجلس، ولا تتوقف عن الغناء والرقص والتصفيق. جمهور يتحرك ككتلة واحدة على إيقاع كل أغنية، ويتمايل مع كل beat، حتى يبدو المكان بأسره قلباً عملاقاً ينبض باسمها.
لكن المشهد الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة كل من حضر، جاء في القسم الأخير من الحفل. حين دعت إليسا الجمهور إلى الاقتراب من المسرح، سقط آخر حاجز بين النجمة والناس. لم يعد هناك مسرح ومدرجات، ولا صف أول وصفوف خلفية، ولا منصة وجمهور. أُلغيت المسافة تماماً، وتحول المسرح إلى مساحة حب واحدة، حيث التف الآلاف حولها في مشهد من التلاحم الإنساني النادر، وغنت هي بينهم ولهم، فيما كانت آلاف الأصوات تغني معها في انصهار يصعب وصفه بالكلمات.
لم تكن تلك لقطة استعراضية، بل كانت التعبير الأصدق عن العلاقة التي بنتها إليسا مع جمهورها على مدى سنوات طويلة. علاقة لا تقوم على الإعجاب فحسب، بل على الانتماء. ففي تلك اللحظة، لم يكن الجمهور يقترب من فنانة، بل كان يقترب من جزء من ذاكرته، ومن صوت رافقه في أفراحه وأحزانه ومحطات عمره.
وهنا تحديداً يكمن سر إليسا.
إنها لا تكتفي بأن يصفق لها الجمهور، بل تجعلهم يشعرون أنهم جزء من الحكاية. لا تكتفي باعتلاء المسرح، بل تنزل إليه بإنسانيتها، فيرتفع هو إليها بمحبتهم. فالفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغنيات ولا بعدد الحفلات، بل بقدرة صاحبه على أن يبقى حاضراً في القلوب، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت الأذواق.
ليلة ختام “أعياد بيروت” لم تكن مجرد أمسية غنائية ناجحة، بل كانت برهاناً جديداً على أن بعض الفنانين يحيون الحفلات، أما إليسا، فهي تحيي الناس بالفن. فالنجومية تُصنع بالأغاني، أما الأسطورة فتُصنع بالمحبة، وإليسا، منذ زمن، تجاوزت حدود النجومية.
