Connect with us

فن ومشاهير

ثريا… حب مارون بغدادي جعلها تخوض حروبا داخلية كبيرة

Published

on

جوزيفين حبشي
مارون بغدادي أصبح
Hors La Vie عام 1993، عن عمر لم يتجاوز 43 عاماً، و18 فيلماً وجوائز عالمية و3 أولاد و… زوجة؟ أرملة؟ حبيبة؟ شريكة؟ ملهمة؟ ثائرة؟ هي كل هذا، هي ثريا الحب الكبير في حياة المخرج اللبناني العالمي الراحل مارون بغدادي. هي بطلة الفيلم الوثائقي Soyraya Mon Amour (للمخرج نيكولا خوري  والمنتجة جانا وهبة)، الفائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي سنة 2025، والذي عرض ليل 29 ابريل/ نيسان 2026 ضمن فعاليات مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة.

Screenshot

كصوت خرج من قلب الحرب، لا ليؤرّخها بل ليعيد إنسانيتها، يُستعاد مارون بغدادي عادة في الذاكرة السينمائية ، ليس كمجرّد مخرج ناجح من جيله، بل أحد القلائل الذين عبروا بالسينما اللبنانية إلى العالم. أعماله تنقّلت بين العربية والفرنسية, وشهدت تعاونا مع فرانسيس فورد كوبولا عالميا.  حين نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي عن فيلم Hors La Vie عام 1991, بدا وكأن هذا الصوت قد ثبّت مكانه عالمياً.

لكن قبل ذلك، كان فيلم “حروب صغيرة” عام 1982  هو اللحظة المفصلية: العمل الذي حمله إلى الخارج، الى مهرجان كان، وقاده في الوقت نفسه إلى الداخل، الى داخل  قلب وحياة  ثريا خوري، الراقصة الاولى في فرقة كركلا ومصممة الرقص  التي لم تصبح فقط بطلة فيلمه، بل شريكة حياته. حياة قصيرة، انتهت بشكل مفاجئ ومأساوي عام 1993، تاركة خلفها امرأة خاضت مع حبها ووجعها وغضبها واحاسيسها “حروبا كبيرة”،  وفراغاً لم يُملأ، بل تحوّل مع الوقت إلى مادة للذاكرة.

Screenshot


اللافت في فيلم Souraya Mon Amour  لنيكولا خوري انه يرفض أن يقف عند هذه الصورة المكرّسة. ما يفعله الشريط، بهدوء وثبات، هو نقل مركز الثقل من “المخرج الكبير والعبقري” إلى المرأة التي بقيت بعده. لا بوصفها امتداداً له، بل كصوت مستقل يحاول أن يستعيد نفسه من داخل الفراغ الذي خلفه رحيل مارون بغدادي.

Screenshot

من هذا الفراغ تحديداً لاكثر من 30 سنة، ينطلق الفيلم الذي شاركت ثريا في انتاجه. لا ليملأه، بل ليصغي إليه. فالفيلم لا يسعى إلى رواية قصة بقدر ما يحاول الإمساك بما يتفلّت من الحكايات: ذلك الجزء غير القابل للتوثيق من الذاكرة، حيث تختلط الحقيقة بالشعور، ويصبح الماضي مادة حيّة تتشكّل مع كل استعادة له. الفيلم لا يروي قصة بقدر ما يبحث في فجواتها.
منذ البداية، يختار العمل أن لا يبدأ بالصورة، بل بصوتٍ يسبقها. صوت مشحون بنبرة اعتراض خفيّ. كأن ثريا ترفض منذ اللحظة الأولى أن تُختزل في دور “الأرملة”، أو أن تُروى حياتها من خلال عبقرية الآخر. هذا التمهيد ليس تفصيلاً، بل مفتاح قراءة: نحن لسنا أمام سيرة عن رجل كبير، بل أمام محاولة امرأة لاستعادة سرديتها الخاصة من بين أنقاض سردية فُرضت عليها. ما ينجزه فيلم نيكولا خوري  هو تفكيك العلاقة بين الحب والذاكرة. الحب لا يُقدَّم هنا كذكرى مكتملة أو صورة مثالية، بل كمساحة متناقضة: فيه الحنان والامتنان، لكن أيضاً الغضب والتعب، وربما شيء من التمرّد المتأخر. هذه الازدواجية تمنح العمل صدقه، إذ لا يسقط في فخ تمجيد العلاقة، بل يعيدها إلى إنسانيتها الخام، حيث التعلّق لا يلغي الجرح، والوفاء لا يمنع الأسئلة.

قوة الفيلم تكمن في اختياره البساطة الحادّة: بوح مباشر امام الكاميرا . الكاميرا لا تلاحق الحدث، بل تنتظر  اللحظة التي ينفلت فيها الإحساس من اللغة. تنتظر ما يتسرّب من بين الكلمات، لحظات يتغيّر فيها الصوت، يتعثّر، أو ينزلق نحو ضحكة غير مكتملة ، وصمت يقول أكثر مما يُقال. هناك تحديدا، يتكوّن الفيلم.

حتى الأرشيف، على قلّته، لا يُستخدم لإثبات الماضي، بل لمساءلته. الصور القديمة لا تمنح يقيناً، بل تزيد من هشاشة الذاكرة، كأنها تذكّرنا أن ما نراه لم يعد كما كان، بل كما تبقّى في الوعي. ومع هذا التصدّع، يتحول المونتاج إلى أداة تفكير لا سرد: يربط ويفكّك في آن، يبني العلاقات بين اللقطات على أساس الإحساس لا المنطق. انتقال مفاجئ من أرشيف قديم ورسائل مارون لثريا،  إلى لحظة معاصرة لا يهدف إلى السلاسة، بل إلى خلق صدمة زمنية خفيفة، تذكّر بأن الماضي لا يزال مفتوحاً. انتقالات حادّة، تكرارات مقصودة، رومنسية  خاصة، رحلة من خيال داخل سيارة انهكها الزمن، تطايرت نثرات من مقاعدها مثل شعر ثريا في الريح، رسائل حب واصطدام دائم بين زمنين: زمن عاشتْه ثريا، وزمن تعيد فيه اختراعه.

Screenshot

الجسد بدوره يصبح لغة موازية. الرقص هنا ليس استعراضاً، بل محاولة لإعادة امتلاك الذات، كأن الذاكرة لا تُستعاد بالكلام فقط، بل أيضاً عبر الإيقاع، عبر الإحساس، عبر ما لا يمكن قوله. ورغم طابعه الحميم، لا يقع الفيلم في فخ النوستالجيا. لا يمجّد  صورة مارون بغدادي بقدر ما يعيد وضعها داخل إطار أوسع: إطار امرأة تحاول أن تخرج من ظل حب كبير، لا لتنساه، بل لتفهمه بشروطها هي. هنا تحديداً، يصبح الفيلم أكثر من حكاية شخصية، يصبح إعادة توزيع للسلطة داخل الذاكرة نفسها: من يروي، ومن يُروى عنه.

بإيقاعه البطيء وصوته الداخلي ومزجه المستمر بين الماضي والحاضر، يقدّم الفيلم تجربة تأملية عميقة . ليس عن مارون بغدادي، بل عن ما بقي بعده. عن امرأة ترفض أن تكون مجرّد أثر، وتصرّ على أن تكون صوتاً. فيلم هادئ، لكنه حاد ومؤثر  كالسؤال الذي يطرحه: ماذا يبقى منا حين يرحل الآخرون؟ وهل يمكن للحب أن يتحوّل من ذاكرة إلى هوية؟

Advertisement
Ad placeholder

Screenshot

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

أبريل 2026
ن ث أرب خ ج س د
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA