Connect with us

فن ومشاهير

ممكن… أكيد

Published

on

جوزيفين حبشي


مع انتهاء الحلقة 14 واقتراب مسلسل “ممكن” من خواتيمه (21 حلقة)، لا بد من التوقف قليلاً لإعطاء كل صاحب حق حقه. سمعت كثيراً أن القصة مكررة ولا تحمل جديداً، وهذا صحيح، ولكن البحث عن “الجديد” لا يجب أن يتحوّل إلى هاجس يطغى على البحث عن “الجيد”. ومن هنا يأتي مسلسل “ممكن” ليذكّرنا بحقيقة بسيطة طالما تجاهلها كثيرون: ليست قيمة العمل في الموضوع الذي يطرحه فقط، بل في الطريقة التي يرويه بها. فالحب، والطبقات الاجتماعية، والصراع بين الرغبة والواقع، والغني والفقير، كلها موضوعات عرفتها الدراما منذ بداياتها، ولم تكن يوماً حكراً على عمل واحد أو عصر واحد. الجديد الحقيقي يكمن دائماً في المعالجة، وفي قدرة صنّاع العمل على جعل قصة مألوفة تبدو نابضة بالحياة وكأنها تُروى للمرة الأولى.

Screenshot

وهذا بالضبط ما حققه “ممكن”. لم يحاول أن يدّعي الثورة على قواعد الدراما، ولم ينشغل بالبحث القسري عن عناصر غير مسبوقة، ولم يلجأ إلى فرض فرادته عبر افتعال الاختلاف، ولم يتكئ على ادعاء التجديد بقدر ما اتكأ على حسن السرد. لقد امتلك الثقة الكافية ليقدّم حكايته بصدق، وبإيقاع مدروس، وبشخصيات من لحم ودم، فنجح في أن يجعل المشاهد ينخرط عاطفياً في عالمه منذ اللحظة الأولى.

على مستوى الأداء، قدّمت نادين نسيب نجيم أحد أكثر أدوارها نضجاً واتزاناً وحساسية. أداء يعتمد على التدرّج الداخلي والانفعال المحسوب:  هادئ حين يتطلب المشهد الهدوء، وعاصف حين تفرض اللحظة انفجارها العاطفي، من دون الوقوع في فخ المبالغة، مع حضور يوازن بين القوة والهشاشة في آنٍ واحد. أما ظافر العابدين، فقد تجاوز هنا فكرة “النجم العربي” ليصبح جزءاً عضوياً من النسيج اللبناني للعمل، لا دخيلاً عليه. فهو لا يؤدي شخصية أجنبية أو عابرة، بل شخصية لبنانية كاملة، يتحدث بلهجة لبنانية، ويتحرك داخل البيئة اللبنانية بصدق واحترام واضحين لتفاصيلها.

Screenshot

ما يُحسب للمسلسل أيضاً أنه لم يعتمد في نجاحه على ثنائية البطولة فقط، بل على منظومة أداء متكاملة. ألان سعادة قدّم شخصية مازن بملامح مقلقة ومخيفة تجعلنا نشعر بقشعريرة، من دون الوقوع في فخ الكاريكاتور، بل عبر بناء تدريجي لشخصية تحمل توتراً دائماً ينعكس في كل ظهور لها. أنجو ريحان أثبتت مرة جديدة أنها من أكثر الممثلات قدرة على منح الشخصيات عمقاً إنسانياً بعيداً عن الاستعراض، وعلى جعلنا نضحك ونبكي، نفرح ونحزن في الوقت نفسه. رودريغ سليمان امتلك حضوراً واثقاً ومقلقاً كما تتطلب الشخصية، وأكد جورج شلهوب خبرته الطويلة وقدرته على صناعة شخصية كاملة بأدق التفاصيل، بينما حافظ بيار داغر على حضوره الكلاسيكي القوي الذي يضيف ثِقلاً للمشهد، وقدّمت مروى خليل أداءً متماسكاً وحقيقياً في تجسيد هشاشة الشخصية، ونجحت زينة مكي في إضافة طاقتها الخاصة إلى عالم المسلسل. كما لا يمكن إغفال حضور رولا حمادة، فرغم محدودية ظهورها، إلا أنها تترك أثراً خاصاً وعبقاً لافتاً في كل مشهد تمرّ فيه. أداء يختصر الخبرة والحضور الآسر، ويعيد إلى الذاكرة شيئاً من العصر الذهبي للدراما اللبنانية، حيث كانت الشخصيات تُصنع بتفاصيل دقيقة وبصمة واضحة لا تُنسى. ودورها كمصممة أزياء شهيرة يستحضر، بشكل غير مباشر، ملامح شخصية ميراندا في فيلم The Devil Wears Prada، من حيث الهيبة، والدقة، والحضور الطاغي الذي يفرض احترامه قبل أن ينطق بالحوار. والجميل أن جميع هذه الأدوار بدت وكأنها تنتمي إلى الحكاية نفسها، لا إلى مسارات متفرقة تتنافس على جذب الانتباه.

Screenshot

ولعل أحد أكبر انتصارات “ممكن” يكمن في إخراج أمين درّة. ذلك النوع من السرد البصري الذي لا يفرض نفسه على المشاهد. إخراج لا يسعى إلى لفت الانتباه إليه بقدر ما يسعى إلى خدمة الحكاية. لا استعراض متكلف للكاميرا، ولا بحث دائم عن اللقطة “اللافتة”، بل بناء بصري هادئ وواثق يضع القصة في مركز الاهتمام. كل شيء يسير بسلاسة وثقة، وكأن الكاميرا تعرف مكانها تماماً. ولعل المفارقة أن هذا النوع من الإخراج هو من أصعب أشكال الإخراج وأكثرها نضجاً، لأنه يتطلب تحكماً كاملاً بالأدوات دون الحاجة إلى إعلان حضورها.

وفي سياق النقاش حول بعض الهفوات التقنية التي أُثيرت، مثل ظهور ميكروفون في إحدى اللقطات، يمكن القول إن مثل هذه التفاصيل، رغم كونها غير مقصودة، تبقى واردة في أي عمل تصويري مهما بلغ مستوى احترافيته. بل إن أعمالاً سينمائية عالمية حصدت جوائز الأوسكار لم تخلُ من أخطاء مشابهة، من دون أن يؤثر ذلك على قيمتها الفنية أو مكانتها. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الخطأ بحد ذاته، بل في تضخيمه على حساب قراءة العمل ككل. فالنقد الجاد لا يتجاهل التفاصيل، لكنه أيضاً لا يسمح لتفصيل عابر بأن يحجب الصورة الكاملة. المشاهدة العميقة لا تُختزل في تفصيل صغير، ومن يكتفي بعدّ الأشجار قد يفوته أن يرى الغابة بكل جمالها واتساعها.

Screenshot

ومن المهم الإشارة إلى أن “ممكن” يحمل أيضاً بعداً لافتاً على مستوى الهوية الإنتاجية، إذ يمكن اعتباره عملاً لبنانياً بامتياز، ليس فقط من حيث المكان واللغة، بل من حيث الروح العامة التي تحكمه. حتى مع وجود ظافر العابدين، فإنه يقدم شخصية لبنانية كاملة ضمن هذا السياق، ما يعكس تطوراً واضحاً في مقاربة الإنتاج المحلي، ويُحسب لشركة الصبّاح التي باتت تراهن بدورها بشكل أكبر على الدراما اللبنانية الصافية أو شبه الصافية، تؤمن بقدرة الممثل اللبناني وصانع الدراما اللبناني على تقديم أعمال منافسة عربياً.

لذلك، ربما يكون أجمل ما يقوله هذا العمل موجوداً في عنوانه نفسه: “ممكن”. ممكن أن تشدّنا قصة معروفة ومكررة إذا عولجت بذكاء. ممكن أن يصنع الأداء الصادق فارقاً أكبر من أي حبكة صادمة. ممكن أن ينتصر الإخراج حين يُدار بثقة لا تحتاج إلى استعراض. ممكن أن ينجح مسلسل حين تتكامل العناصر بدلاً من أن تتنافس فيما بينها. وممكن أيضاً، وهذا الأهم، أن تستعيد الدراما اللبنانية ثقتها بنفسها، وأن تقدّم أعمالاً تجعل المشاهد يشعر بالفخر لا لأنها تحاول أن تكون شيئاً آخر، بل لأنها تعرف تماماً ما هي.

Advertisement
Ad placeholder
Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

يونيو 2026
ن ث أرب خ ج س د
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA