Connect with us

منوعات

من لبنان… شابة يا حنطيّة

Published

on

جوزيفين حبشي

“شابة يا حنطية، حنطية، عيونك عسليّة، عسليّة، مدودخة الشبّان وانتي مش دارية. وازاي اخبّي الشوق الباين في عينيّا وفعينيها كمان ،بيفكر فيّا”…

كلما سمعت  أغنية “شابة يا حنطية” لفريق لنا، يعود بي الزمن  كشريط سينمائي قديم الى اواخر الثمانينات ، الى روائح المساءات البعيدة وضحكات الصبا، وأصوات الاغنيات المنبعثة كرسائل سرية من اثير الاذاعات . كلما سمعت  أغنية “شابة يا حنطية” ، أرى  فجأة أمامي تلك الفتاة  الحنطيّة البشرة، ذات الخمسة عشر عاماً التي كنتها، تتمشى مع الصديقات في أزقة حي الروضة بخطوات مترددة وواثقة في آن واحد. يومها كان القلب يتعلم للمرة الأولى لغته السرية، ويكتشف بدهشة أن ثمة فرقا بين أن نرى الناس، وأن نرى شخصا واحدا دون سواه.

في ذلك الزمن وذلك العمر، لم نكن نسمي الأشياء بأسمائها. لم نكن نقول حباً أو إعجاباً أو انجذاباً. كنا نعيش المشاعر كما يعيش العصفور أول تحليق له، بدهشة لا تعرف تفسيراً. كان يكفي أن يطول النظر قليلاً، أو أن تتباطأ الخطوات عند مرور شخص بعينه، حتى يتغير إيقاع النهار كله.

كنت حنطية البشرة، وكان أحد شبّان المنطقة يدندن عند مروري من امامه مع فتيات الحي اثناء “التمشاية” اليومية عند السادسة عصرا، “شابة يا حنطية، عيونك عسليّة، مدودخة الشبّان وانتي مش دارية”.  لم يكن يملك غير كلمات الاغنية التراند في ذلك الزمن، ولم أكن أملك شجاعة الإصغاء إليها. كنت أعرف أنه يقصدني، وكان يعرف أنني أعرف. ومع ذلك كنا نختبئ . هو يختبئ خلف الأغنية، وأنا أختبئ خلف الدلال. كنت أتدلل وأرفض أن أكلمه، وأرد عليه أحياناً  بضحكة مشاكسة: “عيوني مش عسلية… عيوني بنية”. وكأن المشكلة كانت فعلاً في لون العينين، لا في ذلك الخفقان الجديد الذي بدأ يتسلل إلى قلبي دون استئذان.اليوم أفهم أنني لم أكن أصحح له الكلمات، بل كنت أحاول أن أخفي ارتباكي. ففي ذلك العمر، يكون القلب هشاً كجناح فراشة، يخفق لأبسط الأشياء، لنظرة عابرة، أو ابتسامة سريعة، أو أغنية تحمل اسم لون بشرتك.

Advertisement
Ad placeholder

في ذلك الزمن كانت الأغنيات تشبه الرسائل السرية التي كانت تقوم مقام الاعترافات كلها. في أواخر الثمانينات لم يكن السيلولير قد وُلد بعد. لم يكن هناك فيسبوك ولا إنستغرام ولا رسائل تصل في ثانية واحدة. كان العالم أبطأ، وربما لهذا السبب كان أكثر دفئا. كنا ننتظر الأشياء الجميلة، ونمنحها وقتها كي تنضج في القلب، وكانت المشاعر تحتاج إلى حيل صغيرة كي تعبر من قلب إلى آخر. في اواخر الثمانينات كانت الأغنية هي رسالة الحب الأجمل والأجرأ ، نختارها بعناية، ثم نتركها تسافر وحدها عبر اثير اذاعة ، حاملة ما نعجز عن قوله وجها لوجه. كنا نتصل بإذاعات الـFM، نختار أسماءً وهمية، ونطلب أغنية لشخص لا نجرؤ على ذكر اسمه. كان المذيع يقرأ الإهداء بصوته المثير، فنشعر أن العالم كله أصبح سرا صغيرا بين عاشقين. وكانت الأغنية تسافر عبر الأثير لتصل إلى شخص واحد، رغم أن مدينة كاملة تسمعها.

كل ويك اند  تقريباً، كنت أمضي السهرة عند ابنة عمي في نيو روضة. نستلقي على السرير والراديو  ترانزيستور في حضننا، نصغي إلى إذاعة سترايك كما لو  أنها نافذتنا السرية على العالم. وفجأة، تبدأ موسيقى ” شابة يا حنطية” فأرتجف على صوت المذيع وهو يقول: ” اهداء خاص من الاسمر لأحلى زوزو حنطية بمنطقة الروضة…”

لم تكن الأغنية مجرد أغنية. كانت رسالة حب كاملة، مغلّفة بلحن.وكنت، بدوري، أمارس لعبة المراهقة الجميلة. أنتظر قليلاً، ثم أرفع سماعة الهاتف وأتصل بالإذاعة. أختار اسماً وهمياً كما يفعل الجميع، وأطلب أغنية “أسمر يا شب المهيوب…” لسميرة توفيق.وعندما يسألني المذيع:

“لمن الإهداء؟” أجيبه بخجل متخفّ خلف الضحكة:” للمهيوب… اللي بيعرف حاله.”

وكنت أجلس بعدها بقلب يخفق كأنني ارتكبت مغامرة كبرى.يا الله… كم كانت الأشياء بسيطة. كنا نظن أننا نخدع العالم بالأسماء المستعارة، بينما كان الحي كله يعرف الحكاية. وكانت الأغنيات تقوم بكل ما تفعله اليوم مئات الرسائل والصور والتعليقات. أغنية واحدة كانت تكفي لتقول: أفكر بك. أشتاق إليك. أنتظر مرورك. وأنتِ أجمل فتاة في الحي.

Advertisement
Ad placeholder

اليوم، حين أستعيد تلك السنوات، لا أشتاق إلى الفتى بقدر ما أشتاق إلى تلك البراءة. إلى الزمن الذي كان فيه القلب يخفق لأغنية، وتكفي كلمة في لحن لتملأ أسبوعاً كاملاً من الأحلام. أشتاق إلى تلك الفتاة  التي لم تكن تعرف شيئا عن الحياة، لكنها كانت تعرف  كيف تفرح بنظرة، وكيف تختبئ خلف الدلال، وكيف تنام وقلبها ممتلئ بأسئلة لا جواب لها. أشتاق إلى تلك الشابة الحنطية ذات العينين البنيتين، التي كانت تدّعي أنها لا تكترث، بينما كانت تنتظر كل مساء أن تسمع اسمها مختبئاً بين أغنية وإهداء. وأدرك الآن أن أجمل ما في تلك الذكريات ليس أنها كانت قصة حب، بل أنها كانت المرة الأولى التي شعرت فيها أن هناك قلباً في مكان ما، ينتظر أغنية ليقول لها:” مدودخة الشبّان وانتي اكيد عارفة”

الماضي  حتماً لن يعود، ولكن بعض الأغنيات تمتلك قدرة عجيبة على إعادته إلينا للحظات. تعيد إلينا وجوها غابت، وشوارع تغيرت، وأعمارا رحلت. والأجمل من ذلك كله، أنها تعيد إلينا أنفسنا كما كنا: أبسط، وأنقى، وأكثر استعداداً  لأن نصدق أن أغنية يمكن أن تكون رسالة حب كاملة.

Continue Reading
Advertisement Ad placeholder
Advertisement Ad placeholder

التقويم

يونيو 2026
ن ث أرب خ ج س د
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الارشيف

© كافة الحقوق محقوظة 2023 | أخبار الشرق الأوسط - News Me | تصميم و تطوير TRIPLEA