فن ومشاهير
“أمان تِرِلّلّي” :وجعٌ بلا كدمات… ومسرحٌ بلا شعارات
جوزيفين حبشي
ليست الحياة دائما La Vie En Rose , وليست كل لحظاتها ليلة عيد ، او ويلة عيد. ليست الحياة عمرا من فرح ولا “خمس دقايق” من وجع وجنون و “تِرِللّي”، وليست كل المسرحيات تنتهي بإسدال الستارة. بعضها يبدأ فعلاً عندما يغادر الجمهور القاعة، ويبقى يرافقه في الطريق إلى المنزل. هذا تماما ما شعرت به بعد مشاهدة “أمان تِرِلّلّي” على مسرح District 7 Beirut، من تأليف وإخراج مايا سعيّد.
اختارت مايا سعيّد هذه المرة أن تقترب من منطقة لا يزال كثيرون يتجنبون الحديث عنها: العنف الذي قد يتعرض له الرجل داخل بيته. لكنها لا تقدّمه كقضية للمقارنة بين معاناة الرجل والمرأة، بل كدعوة للاعتراف بأن العنف لا يختار جنساً، وأنه ليس بالضرورة أن يترك كدمات على الجسد كي يكون مدمّراً. فالكلمات قد تؤلم أكثر من الصفعات، والإذلال، والتلاعب النفسي، وكسر الكرامة، قد تترك ندوباً أعمق من أي جرح مرئي.
الجميل في العمل أنه لا يصرخ ولا يوعظ، بل يروي حكايته بهدوء وثقة، تاركاً للمشاهد أن يكتشف بنفسه حجم الألم الذي قد يختبئ خلف الوجوه العادية. ومن خلال رجلين أنهكهما العنف النفسي الذي مارسته زوجتاهما، تفتح المسرحية بابا واسعا للتأمل في هشاشة الإنسان، وفي حاجته إلى من يسمعه قبل أن يحكم عليه.
لكن “أمان تِرِلّلّي” لا تقف عند هذا الحد، بل تضيء أيضا على معنى الأمومة الحقيقية. تلك التي تعرف أن الحب ليس امتلاكاً، وأن أعظم ما قد تقدمه الأم لأبنائها هو أن تفسح لهم المجال ليعيشوا سعادتهم، حتى وإن كان ذلك على حساب رغبتها في بقائهم إلى جانبها. في المسرحية كما في الحياة، هناك امرأة تُحطِّم رجلاً، وهناك امرأة تتحطَّم من أجل رجل. إنها لمسة إنسانية رقيقة أضافت إلى العمل بعداً مؤثراً آخر.
النص الدامي الكوميدي مكتوب بذكاء، فيجعلك تضحك في لحظة، ثم تجد نفسك بعد ثوانٍ تعيد التفكير في ما ضحكت عليه. هذه القدرة على الموازنة بين الكوميديا والوجع ليست سهلة، لكنها تحققت هنا بسلاسة جعلت كل مشهد يبدو صادقاً، وكأنه جزء من حياتنا اليومية.

أما الأداء المضحك المبكي، فالله الله على طارق تميم وسامي حمدان. لقد قدّما أداءً استثنائياً بكل معنى الكلمة. لم أشعر أنني أشاهد ممثلين يجسدان شخصيتين، بل إنسانين يحمل كل منهما انكساراته، وضعفه، ومحاولاته المستميتة للتماسك. كان حضورهما على الخشبة صادقا، مؤثرا، ومليئا بالتفاصيل التي لا تُؤدّى إلا بإحساس عميق.
وجاءت موسيقى يوري مرقدي لتحيي العمل من دون أن تطغى عليه، مضيفةً إليه طبقةً من الإيقاع والإحساس، زادت من أثر المشاهد ومنحتها بعداً عاطفياً أجمل.
خرجت من المسرحية وأنا أكثر اقتناعا بأن الفن الحقيقي لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يطرح الأسئلة التي نتجنبها، ويفتح أبوابا للنقاش حول قضايا قد نفضل تجاهلها. وهذا، برأيي، هو أحد أهم أدوار المسرح.
شكراً لمايا سعيّد، ولطارق تميم، ولسامي حمدان، وليوري مرقدي، ولكل من ساهم في هذا العمل، لأنهم لم يقدموا مجرد عرض مسرحي، بل تجربة إنسانية تلامس القلب والعقل معاً، وتذكّرنا بأن الإصغاء للآخر، والتعامل مع ألمه بصدق ورحمة، قد يكونان أحياناً أعظم أشكال النجدة.
