فن ومشاهير
بين المسرح و تيك توك… موهبتان لبنانيتان خطفتا الأضواء في “حب على ورق
جوزيفين حبشي
الفن لا يسأل من أين أتيت، وبين خشبة المسرح وكاميرا الهاتف… ولدت الحكاية. قد يكون مسلسل “حب على ورق”، المعروض على منصة شاهد، عملاً رومانسياً كوميدياً خفيفاً، لكن خفة العمل لم تمنع ولادة لحظات استمتاع، لديها ثقلها الفني و تستحق التوقف عندها. ففي زحمة القصص والعلاقات والابطال، تعرّفنا أكثر إلى موهبتين لبنانيتين جديدتين على عالم الدراما التلفزيونية ، تثبتان أن البصمة الحقيقية لا تُقاس بحجم الدور، بل بصدق الحضور وعفويته.
كاتي يونس وبيرت واكد ، شابتان لبنانيتان وصلتا إلى الشاشة من طريقين لا يشبه أحدهما الآخر، لكنهما التقتا عند النقطة الأهم: أن تجعلانا ننسى الخلفيات، ونؤمن بالشخصيات.
كاتي يونس ابنة المسرح حيث لا مكان للاختباء ولا فرصة لإعادة المشهد . هي ابنة المسرح بكل ما تحمله الكلمة من معنى وجدّية وموهبة وانضباط. سنوات من الدراسة الاكاديمية والتمثيل والإخراج والعمل على الخشبة ( مسرحيات مثل ” شو يا قشطة” و” توك توك” و” رايحين جايين” و”هَرَب” ) والسينما ( فيلم ارزة) صنعت فنانة شابة تعرف جيداً كيف تبني الشخصية من الداخل، وكيف تمنحها روحاً لا مجرد أداء. حضورها أمام الكاميرا بشخصية نهى في ” حب على ورق” ممتع وواثق، لا يعتمد على المبالغة أو استعراض الإمكانات، بل على فهم عميق للشخصية ولإيقاع المشهد. هي من ذلك النوع من الممثلين الذين يجعلون التمثيل يبدو بسيطاً عفوياً سلساً، بينما هو في الحقيقة ثمرة سنوات طويلة من التعب والانضباط والحب للمهنة.
وعلى الضفة الأخرى، جاءت بيرت واكد من عالم طالما نظر إليه البعض باستعلاء. صانعة محتوى على “تيك توك”، أحبها الناس لخفة ظلها وعفويتها. عندما اختيرت لاداء دور “دانا” في ” حب على ورق”، ظنّ كثيرون ربما أن شهرتها على مواقع التواصل هي سبب وجودها في المسلسل. لكن الكاميرا لا تجامل أحداً، والجمهور أكثر ذكاءً من أن يُقنعه عدد المتابعين وحده. ما قدمته بيرت كان مفاجأة جميلة:أداء طبيعي، غير متكلّف، مليء بالعفوية، حتى بدا وكأن التمثيل يعرفها منذ سنوات، لا منذ عملها الأول.
والأجمل في هذه التجربة أنها كسرت فكرة طالما قُدّمت كحقيقة مطلقة: أن خريج المسرح لا يشبه صانع المحتوى، وهما يقفان على طرفي نقيض وأن أحدهما لا بد أن ينتصر على الآخر. الحقيقة أن الفن ليس مباراة لإقصاء أحد، بل مساحة تتسع لكل من يملك ما يقوله بصدق.
التخصص قيمة عظيمة ويمنح الأدوات، والموهبة الفطرية نعمة عظيمة أيضاً وتمنح الروح ، وعندما يلتقي الاجتهاد مع أي منهما، يولد النجاح.
كاتي لم تصل إلى مكانتها بالصدفة، وبيرت لم تثبت نفسها بالصدفة أيضاً. الأولى اختارت الطريق الطويل، طريق المسرح والتجربة والبحث، والثانية اختارت طريقاً مختلفاً فرضته معطيات هذا الجيل، ففتحت لنفسها باباً جديداً انطلاقاً من فضاء رقمي اعتاد كثيرون التقليل من شأنه.

لكن كلتيهما وصلت إلى الشاشة وهي تحمل شيئاً لا يمكن تعلّمه في المعاهد ولا شراؤه بالشهرة: الصدق.
وما يدعو إلى الفخر حقاً أن كلتيهما شابتان لبنانيتان تقدمان صورة مشرقة عن الفن اللبناني وعن هذا البلد الذي اعتاد أن يُعرَف بأزماته، ولكنه لا يزال يقدّم مواهب تؤمن بعملها وتثبت نفسها بالاجتهاد. كاتي يونس وبيرت واكد لا تمثلان مسارين متنافسين، بل وجهين مختلفين للنجاح: واحدة تذكّرنا بقيمة التكوين الفني العميق، والأخرى تؤكد أن الموهبة الحقيقية قادرة على كسر الأحكام المسبقة عندما تجد الفرصة المناسبة.
وفي النهاية، عندما تُطفأ الكاميرات وتنتهي الحلقات، لن يتذكر المشاهد إن كانت البداية على خشبة المسرح أو أمام كاميرا هاتف، بل سيتذكر من جعله يبتسم، ويتأثر، ويصدق. وهذا ما نجحت فيه كاتي يونس وبيرت واكد، كلٌّ بطريقتها، وكلتاهما تستحقان التصفيق.
وربما هذه هي أجمل رسالة يتركها “حب على ورق”: أن الفن لا يسأل من أين أتيت، بل ماذا تركت في قلب المشاهد. وعندما يكون الأثر صادقاً، تصبح الخلفيات مجرد تفاصيل، ويبقى الإنسان… وتبقى الموهبة.
