فن ومشاهير
ما أجمل الفن يا ماريلين، حين يصبح وطنا
جوزيفين حبشي
ما أجملكِ يا ماريلين. ما أجملكِ، وما أجمل صوتكِ الأكثر دفئاً من مِشلح مخمليّ في ليلة شتاء باردة. وما أجمل جينزك البسيط، وشعرك المربوط بشال من حرير، والوشوم التي حوّلت ذراعك إلى خريطة لكل ما نعشقه في لبنان: تعلوها أرزتنا، ويزيّنها طربوش جدّنا المعلّق بهذا الوطن، وفقشُ موج بحر بيروت على صخرة “روشتنا”، وانتعاشتنا مع كلّ كرعة “بونجوسة”، وكدشة منقوشة، وشفّة قهوة. ما أجملك، وما أجمل هذا الوطن الذي لم يُرسَم على جلدكِ فحسب، بل استقرّ في صوتك، ونبرتك، وملامحك.
ما أجملك، وما أجمل وطنيتك وإنسانيتك، حين صلّيت النشيد الوطني اللبناني كاملاً، في مشهدٍ أسال الدمع، واقشعرت له الأبدان. حيّيت لبنان، والجنوب، ورجال ونساء الدفاع المدني اللبناني، وجمعية “نستحق الأفضل”، اللذين خصّصت لهما جزء من ريع الحفل، واستحضرتِ أرواح ضحايا الرابع من آب، أولئك الذين ما زالوا ينتظرون الحقيقة في وطنٍ أرهقته أسواق الكذّابين.
وما أجمل مفاجآتك:من الدبكة اللبنانية التي جعلت المسرح ينبض بإيقاع الأرض، إلى الديو الجديد مع الفنان الشامل مروان خوري ” خليك شوي” … اغنية ساحرة بشاعريتها ،تمنينا ان يتوقف الزمن عندها ، و”يا دنيي نسينا، شو بدك فينا”.

وما أجملك مع شريكة نجاحك، لين طويلة، وما اجمل الرؤية الإخراجية التي حوّلت بيتا دافئاً وضيّقاً إلى بيت اتّسع لآلاف المحبّين. بيت يشبه أجمل بيوت رأس بيروت، بأبوابه المفتوحة للبحر، وللأهل، وللجيران، وللضيوف معاً، ومنشر غسيل علّقتما عليه، ببلاغةٍ ساخرة، كلَّ من أسهم في إيذاء هذا الوطن، وكلَّ من سرق أحلام ناسه، وكلَّ من ظنّ أن ذاكرة اللبنانيين قصيرة.
ما أجملكما، أنت ولين طويلة. لقد حوّلتما “فوروم دي بيروت” من مجرّد صالة للحفلات إلى بيت كبير للبنانيين جميعا، وجعلتما الأغاني نوافذ مفتوحة على وطن، رغم كل ما أثقلته الجراح، ما زلنا نحبّه، وما زلنا نحلم به.
وما أجمل تلك اللحظة التي ارتفعت فيها الأعلام اللبنانية. لم تعد قطعاً من قماش ترفرف في الهواء، بل بدت أمواجاً بيضاء وحمراء أغرقتنا في “بحره برّه… درّة الشرقين”، أو كأنها غابةٌ من أرز الرب نبتت فجأة في قلب “فوروم دي بيروت”. آلاف الأيدي كانت ترفع لبنان عاليا، لا بوصفه شعارا، بل بوصفه حبّاً وحنيناً، ووعداً بألّا يُترك وحيداً، مهما أثقلته الجراح.
في تلك اللحظة، لم يكن الجمهور يهتف لكِ كمغنّية، بل كان يهتف لكِ كوطن. ولم يكن المسرح يفصل بين فنانةٍ وجمهور، بل جمعهما في بيت واحد، ونبض واحد، وأغنية واحدة اسمها لبنان.
ذلك هو الفن حين يبلغ ذروته: أن يجعل الآلاف يشعرون، لبرهةٍ من الزمن، أنهم عائلة واحدة، وأن هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، لا يزال قادراً على أن يجمع أبناءه حول أغنية، أو دمعة، أو علم.
ما أجملك يا ماريلين وأنت تثبتين أن الرقة أقوى من الضجيج، وأن النوستالجيا أجمل من الذكاء الاصطناعي، وأن الصدق لا يحتاج إلى مؤثرات، وأن الفنان الحقيقي هو من يعيد الناس إلى بيوتهم أخفّ أرواحاً، وأغنى مشاعر، وأكثر إيمانا بأن في هذا الوطن ما يستحق الحب والحياة.
شكراً لأنك لم تقدّمي حفلةً فحسب، بل قدّمت ليلةً ستبقى حيّة في الذاكرة. ليلة جعلتنا نقول، من أعماق قلوبنا: ما يزال في لبنان أمل، ما دام فيه فنانون يشبهون ماريلين نعمان.فأنت لم تعتلي المسرح لتؤدّي أغنياتك فحسب، بل لتذكّرينا بأن الجمال فعل مقاومة، وأن الصدق شكلٌ من أشكال الشجاعة، وأن الفن الحقيقي ليس ما يملأ الآذان، بل ما يوقظ القلوب.
خرجنا من حفلك البارحة ونحن نحمل في داخلنا شيئاً يصعب تسميته. لم يكن مجرد إعجاب، ولا مجرد موسيقى وغناء، بل يقيناً بأن لبنان، الذي أنجب فنانة تشبهك، لا يزال يملك سبباً جديداً ليؤمن بنفسه.
ما أجملكِ يا ماريلين نعمان…
وما أجمل الفن، حين يصبح وطناً.
